تلبس بيجامتها الرمادية… تتجه نحو سريرها الخشبى الذى يتوسط غرفتها… تفرش شعرها على الوسادة ثم تنام تحت غطائها… تشعر بالدفء… فجأة يتسلل البرد من تحت الغطاء وكأنه كرباج يكسر كل عظمة من عظامها… ترتعش… تغمض عينيها فيظهر لها وجهه الأبيض، تنتفض من سريرها وتقوم لتشعل المدفأة متجاهلة ما رأته… تمر الدقائق كأنها اسابيع والبرد يشتد عليها، تسمع صوته فتسد اذنيها… ترى وجهه مجددا فتغمض عينيها، لكن بدون فائدة، كلاهما لا يفارقاها… تمضي ساعات على هذا الحال فتقرر الاستسلام… فكلما قاومت البرد شعرت به أكثر…
يُخرج الترمومتر من فمه ثم ينظر إليه ليجد أن حرارته ارتفعت أكثر… يشعر بالنار تغلي فى رأسه… يغمض عينيه ليراها… صوتها وهى تغني لا يفارق اذنيه… يرى يديها السمراء وهى تغطس فى إناء الماء لتبلل قطعة من القماش.. ترفع يديها بسلاسة وتعصر القماشة كأنها ترسم لوحة ثم تضعها على رأسه… يرفع يده ليتحسسها… تختفى كالسراب… يشعر بالنار تذيب كل عظمة من عظامة… يستسلم للحريق الذى بداخله.
ترفع عنها الغطاء وتقوم لتجلس فى منتصف السرير… تحاول أن تستجمع ما فى ذاكرتها من أرقام… عامان مرّا ولم يتهاتفا… لاتتذكر شيئاً ثم تتسائل “ولماذا أتذكر؟ لماذا أكون أنا دائما من تبادر بالكلام ومن تبادر بالرحيل؟ لن أرهق نفسي… سأغصب نفسي على النوم وسأغصب نفسي على الدفء… لن أجعل ذكراه تتسلل إلي مرة أخرى، لن أسمح له أن ينشر البرد فى جسدي مجددا.”
يرن الهاتف… تنزل من السرير مسرعةً لترد… ترفع السماعة… لحظة سكون
ثم يتكلم
- “أنتِ… لم تنامي بعد؟”
- “لم تمت بعد؟”
- مبتسما- “لازلتِ غير لبقة فى كلامك كما كنتِ دائما”
- “لا زلت لا تستطيع منع نفسك من أن تصفني بأسوأ الصفات كما كنت دائما - تحتد نبرتها - أنت لاتعرفني!”
- ببرود-” أعرفكِ أكثر من نفسك سيدتي”
تتنهد وتهدأ ثم تتسع عيناها منتظرة ما سيقول
- “أنتِ مزيج من زهرة عين الشمس والوردة الحمراء… جميلة ومشرقة مثل عين الشمس، جذابة ومكارة مثل الوردة الحمراء… تضحكين وتجذبين اليكِ كل من يراكِ… لكن كلما اقتطفك أحدهم غرست الشوك فى يديه وملئتها بالدماء”
- بانفعال-: ” شوك؟؟ دماء! هكذا ترانى إذا هه!!”
- “اهدئي، اسمعيني قبل ان تنفعلي وترحلي كعادتك”
- مقاطعة- “أرحل؟؟ أنتَ الذى ترحل”
- “تركتني وحدي”
- “لي أعذاري”
- “لن أسامحك”
لحظة صمت – تبكي فجأة كالإعصار- “لماذا تتصل بي إن كنت لن تسامحني؟ لماذا تذكرني بك… لماذا تتسلل إلى ذاكرتي وتحتل جسدي بالبرد؟ -يعلو صوتها- تعرف كيف أراك أنا؟؟ أنتَ قطعة من الثلج… بارد مثلك مثل الثلج… أنتَ فصل الشتاء وأنا أكره الشتاء وأكره البرد”
يقاطعها بغضب: “أنتِ الصيف.. تحرقينني بكلامك ثم تذيبين كل جزء فيّ بغضبك وترحلين وتتركينني وحدي… أنا ايضا أكره الصيف وأكره الحر وأكره احتلالك لذاكرتي”
- ” لماذا لا تعود إذن؟ لماذا لا تجعل شتائك خريفا؟ لماذا لاتثق بأني سأجعل من صيفي ربيعا لأجلك أنت؟ سامحني… فالبرد كان كفيلا بتعذيبي… تعال وأمسك بيدى وتحسس كم أصبحت باردة وانظر الى لونها الذى أصبح أزرقا”
تسمع صوته يبكي… تشعر بالبرد يتسرب خارجا من جسدها… تشعر بالدفء لأول مرة منذ وقت طويل. تنتظر رده، لا يجيب… ظلت ممسكة بالسماعة حتى طلعت الشمس… كل ماتسمعه هو صوت أنفاسه وأحيانا بكاءه… فجأة ينقطع الإتصال… تتبتسم وتغلق السماعة .ثم تمضى فى حياتها ومعها قدر من الدفء يكفيها بضعة أشهر… ربما بضعة سنين حتى يعاود الإتصال مرة اخرى
بقلم: عالية
-
fatma-khaled likes this
-
affectus-copia reblogged this from projectpen
-
whataprettylittlesecret likes this
-
azzayzafona-deactivated20121209 submitted this to projectpen
1 ⁄ 1
